يتحدّى هذا البحث النموذج الأحادي السائد في علم النفس التطوري، والذي يُعرف اختصارًا بـ WEIRD (أي المجتمعات الغربية، المتعلمة، الصناعية، الغنية، والديمقراطية). ويسعى إلى ذلك من خلال دراسة التنشئة اللغوية في سياق غير غربي وغير مدروس بما فيه الكفاية، ألا وهو سياق الأطفال الإماراتيين الصغار في دولة الإمارات العربية المتحدة. يستخدم البحث منهجية الإثنوغرافيا اللغوية، ويكشف عن نموذج جماعي متعدد الأجيال للرعاية يتناقض بشكل صارخ مع المعايير النووية للأسرة. وتوضح النتائج أن الأقارب الممتدين، بما في ذلك الأجداد والأشقاء الأكبر سنًا، هم عوامل رئيسية في التنشئة الاجتماعية. يتم تدريب الأطفال على تراثهم اللغوي والثقافي من خلال مساحات ذات دلالة ثقافية مثل "المجلس" أو التجمعات الأخرى، ويتنقلون في بيئة معقدة من اللغة العربية الفصحى الحديثة، واللهجات الإماراتية المحلية، واللهجات القبلية، واللغة الإنجليزية. وتجادل الدراسة بأن هذا النموذج "متعدد الأصوات" الفعال يعد الأطفال بشكل جيد للمشاركة المحلية والعالمية. وتخلص إلى أنه يجب على علم النفس التطوري التخلي عن الافتراضات القائمة على نموذج WEIRD بوصفه معيارًا عالميًّا، والدعوة إلى سياسات وممارسات ترتكز على الواقع المعيش للطفل الإماراتي، مما يعزز صحة هياكل الأسرة الممتدة وتعدد اللغات.
- وصف عام للبحث
-
- الغرض من البحث
-
يهدف البحث إلى سد فجوة معرفية كبيرة في أدبيات علم النفس التطوري من خلال الإجابة على السؤال التالي: ما هي عملية التنشئة اللغوية للطفل الإماراتي اليوم؟
وبشكل أكثر تحديدًا، يسعى البحث إلى:
- تقديم تحدٍّ نظري للافتراضات الغربية (WEIRD) باستخدام منظور "عالم الأغلبية".
- توفير أدلة إثنوغرافية أصلية من 20 أسرة إماراتية في دولة الإمارات العربية المتحدة.
- استخلاص آثار عملية دالّة للسياسات والتقييم في بيئات الرعاية القائمة على القرابة ومتعددة اللغات.
- العينة: نوعها وحجمها
-
- النوع: عينة قصدية.
- الحجم:20 أسرة إماراتية.
- الخصائص: اختيرت الأسر التي تعرّف عن نفسها بأنها ثنائية اللغة وتستخدم بانتظام اللغتين العربية والإنجليزية في المنزل والمجتمع. اشترط البحث أن تضمّ الأسر أطفالًا في سن ما قبل المدرسة (2-4 سنوات) يكتسبون اللغتين العربية والإنجليزية. تنوعت الأسر من حيث الخلفية الوالدية، وتكوين الأسرة، وترتيبات الرعاية. شملت اللغات التي يتم التحدث بها في المنازل اللهجات الإماراتية، واليمنية، والسعودية، والمصرية، واللهجات القَبَلية، مما يعكس تنوع الخلفيات الأسرية والتراثية.
- إجراءات تنفيذ الدراسة
-
- المنهجية: اعتمدت الدراسة على منهج تفسيري قائم على الإثنوغرافيا اللغوية. يهدف هذا المنهج إلى دراسة التفاعل بين الممارسات اللغوية اليومية (المستوى الجزئي) والأيديولوجيات الاجتماعية والثقافية (المستوى الكلي).
- جمع البيانات: جُمعت البيانات على مدار 12 شهرًا من خلال ثلاثة مصادر رئيسة:
وذلك من خلال بيانات ديموغرافية لتوفير السياق الأساسي للأسر. بالإضافة إلى مقابلات شبه منظمة مع الأمهات: تم اختيار الأمهات لأنهن غالبًا مقدمات الرعاية الأوليات والأقرب إلى الروتين اليومي للأطفال. كما أن إجراء المقابلات مع الأمهات فقط كان يحترم الأعراف الثقافية الإماراتية التي لا تسمح عادة بدخول النساء غير القريبات إلى المنزل بحضور الرجال. فضلًا عن ملاحظات ميدانية من الزيارات المنزلية: لمراقبة التفاعلات اليومية.
- تحليل البيانات: استُخدم التحليل الموضوعي الاستقرائي وفقًا لنموذج براون وكلارك (2006) المكون من ست مراحل. تم استخلاص الموضوعات من المحتوى الصريح والضمني للمقابلات والملاحظات، مع الاستناد إلى إطار التنشئة اللغوية.
- الأخلاقيات: التزم البحث بإعلان هلسنكي. تم الحصول على موافقة مستنيرة من جميع الأسر، وتم الحفاظ على السرية عبر استخدام الأسماء المستعارة وإخفاء الهوية. اتبع الباحثون موقفًا تأمليًّا للتعامل مع حساسية دخول المنازل الإماراتية وبناء الثقة.
- نتائج الدراسة
-
كشفت الدراسة عن موضوعات رئيسة عدّة تحدد عملية التنشئة اللغوية للطفل الإماراتي:
- "المجلس" بوصفه فضاءً للتنشئة الثقافية واللغوية: يلعب المجلس (المكان التقليدي للجلوس لاستقبال الضيوف) دورًا محوريًّا. فهو ليس مجرد غرفة، بل "فصل دراسي ثقافي" يتعلم فيه الأطفال، وخاصة الأولاد، من خلال الملاحظة والمشاركة، آداب الضيافة، والرموز اللغوية والاجتماعية المرتبطة بالمجالس الرجالية. يتعرض الأطفال فيه للغة العربية الإماراتية التقليدية من خلال التفاعل مع متحدثين متعددين.
- التنشئة الاجتماعية حسب الأدوار والمساحات الجندرية: إذ يؤدي النوع الاجتماعي (الجندر) دورًا في تنظيم تجارب الأطفال. فعادة ما يرافق الأولاد آباءهم إلى مجلس الرجال، بينما تبقى الفتيات مع أمهاتهن، حيث تتعلمن من خلال التفاعلات اليومية مع القريبات. هذا الفصل بين الجنسين يعرّف الأطفال مبكرًا على التوقعات الاجتماعية الخاصة بكل جنس.
- التنشئة الاجتماعية في بيئة متعددة اللغات واللهجات: يعيش الأطفال في بيئة لغوية معقدة تشمل العربية الفصحى (لأغراض دينية أو الرسوم المتحركة)، واللهجة الإماراتية المحلية، ولهجات عربية إقليمية أخرى من تراث الآباء أو الأجداد (مثل اليمنية أو السعودية). ويمارس الوالدان دورًا في الحفاظ على لهجاتهم التراثية، بينما يظهر الأطفال مرونة وإبداعًا في المزج بين اللغات، مدفوعين أحيانًا برغبتهم في الانتماء إلى مجموعة الأقران.
- الدور المركزي لمقدمي الرعاية من الأجيال المتعددة:
الجَدّات: فغالبًا ما يكنّ مقدّمات الرعاية الأوليات، ويقمن بدور "حراسة اللغة" في المنزل. إذ يستعملن اللهجة الإماراتية في سرد القصص، وتعليم الأدعية، وتصحيح اللغة، مما يضمن نقل التراث اللغوي والثقافي.
الأشقاء الأكبر سنًّا: يقومون بدور "شبه أبوي"، حيث يشاركون في رعاية الأشقاء الصغار، والقراءة المشتركة، وتعليم اللغة العربية عبر منصات رقمية مثل يوتيوب، مما يعزز استخدام اللغة العربية في المنزل.
- الإفادة التي يقدمها البحث للمعلم العربي في مجال تعليم مهارات القراءة والكتابة
-
يقدم البحث عدة إفادات قيّمة للمعلم العربي، وبخاصة في سياق دول الخليج:
- تجنب تفسير ثنائية اللغة على أنها تأخّر: توفر نتائج الدراسة بيانات محلية عن المسار الطبيعي لنمو الطفل الإماراتي متعدد اللغات. هذا يساعد المعلم على عدم تفسير الخلط بين اللغات أو اللهجات على أنه اضطراب أو تأخر في النمو اللغوي، بل بوصفه جزءًا من عملية طبيعية للتنشئة في بيئة متعددة اللغات. وهذا يقلل من خطر التشخيص الخاطئ ويوجه عملية التقييم والتدخل بشكل أدق.
- البناء على القدرات اللغوية الموجودة: يدخل العديد من الأطفال الإماراتيين إلى مرحلة ما قبل المدرسة وهم يمتلكون بالفعل مفردات وقدرات تواصلية معقدة في العربية الفصحى واللهجة الإماراتية والإنجليزية. يجب على المعلم الاعتراف بهذه القدرات واستغلالها أساسًا للتعلم، بدلًا من التعامل مع الأطفال كمتحدثين بلغة واحدة أو افتراض نقص لديهم. ويمكن تصميم أنشطة القراءة والكتابة التي تربط بين ما يعرفه الطفل من لهجة وتراث وما يتعلمه من لغة فصحى.
- دمج التراث الشفهي في التعليم: أظهر البحث أهمية "المجلس" والقصص التي ترويها الجدات كأدوات لنقل اللغة والثقافة. يمكن للمعلم دمج هذا التراث الشفهي في المناهج الدراسية، مثل استخدام القصص الشعبية والحكايات التي يرويها الأجداد كنصوص للقراءة، مما يعزز مهارات القراءة والكتابة ويجعل التعلم أكثر ارتباطًا بهوية الطفل وثقافته.
- تعزيز الشراكة مع الأسرة الممتدة: بما أن الرعاية في الإمارات هي مسؤولية جماعية تشمل الأجداد والأشقاء، يجب على المعلم توسيع نطاق التواصل ليشمل هذه الشبكة الأسرية، وليس فقط الوالدين. يمكن دعوة الجدات للمشاركة في أنشطة سرد القصص في الصف، أو إشراك الأشقاء الأكبر سنًا في برامج القراءة التعاونية. وهذا يعزز التواصل بين المنزل والمدرسة ويدعم تعلم الطفل.
- تجنب فرض نماذج تعليمية غريبة: يحذر البحث من فرض نماذج تربوية مستوردة تتجاهل المعرفة المحلية. يجب على المعلم تجنب الممارسات التي قد تهمش أو توصم لغة الطفل المنزلية (اللهجة). بدلًا من ذلك، يجب اعتماد استراتيجيات تعليمية تتوافق ثقافيًّا مع بيئة الطفل، وتعترف بتعدد اللهجات واللغات بوصفها ثراء وليست عائقًا.
- التوثيق
-
Fatma F.S. Said & Nadine Jaafarawi . (2026). Reframing Childhood: How Language, Kinship, and Multilingual Multigenerational Socialization Shape the Emirati Child, Gulf Education and Social Policy Review Volume 7, Issue no. 1, DOI 10.18502/gespr.v7i1.19680