ترجمة البحث العلمي

العودة الى ترجمة البحث العلمي
القراءة مفتاح النجاح: استراتيجيات فعّالة في تعليمها بدول الدخل المنخفض والمتوسط
  • وصف عام للبحث
  • تعلم القراءة أساسٌ لكرامة الإنسان وحريته وتطوره؛ فالإلمام بالقراءة والكتابة هو حجر الأساس لكل تعلم، ويمنح الإنسان فرصًا أوسع في حياته كلها. وعلى المستوى الوطني، ترتبط معدلات الإلمام بالقراءة الأعلى بنمو اقتصادي أقوى، وانخفاض في التفاوت الاجتماعي، وتحسّن في الصحة العامة. أما على المستوى الفردي، فالطلاب الذين يتقنون القراءة هم الأكثر قدرة على التفوق في جميع المواد الدراسية، بينما يواجه الأطفال الذين لا يتعلمون القراءة مستقبلًا تعليميًا ومهنيًا محدودًا، ودخلًا أقل طوال حياتهم. بل إنه عندما يعجز الأطفال عن القراءة، فإن الاستثمارات في مجالات التعليم الأخرى تفقد قدرتها على تحقيق الأثر المنشود.

    لذلك، فإن ضمان تعلّم جميع الأطفال القراءة هو واجب أخلاقي وضرورة اقتصادية لكل أمة. غير أن الواقع المؤسف أن كثيرًا من الأطفال في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط لا يتعلمون القراءة. فعند بلوغ سنّ العاشرة، تصل نسبة الأطفال في هذه الدول ممن لا يستطيعون قراءة نص بسيط مناسب لأعمارهم وفهمه إلى 70%، وهي نسبة مذهلة. وفي بُلدان كثيرة، وبعد سنوات من التعليم، يظل الأطفال بعيدين جدًّا عن المستوى المطلوب من الكفاءة، فلا تكاد تلوح أمامهم فرصة لأن يصبحوا قرّاءً حقيقيين.

    لكن الأدلّة المتاحة تشير بوضوح إلى أن تحسين أساليب تعليم القراءة يمكن أن يحدث قفزات كبيرة في مستويات الإتقان. ويعود أحد الأسباب الرئيسية لهذه الأزمة إلى عدم استخدام أساليب تعليمية أثبتت الأبحاث جدواها. فالعديد من أنظمة التعليم ما زالت تعتمد طرقًا قديمة أثبتت الأبحاث عدم فاعليتها، أو تفتقر إلى توجيه واضح حول كيفية تدريس القراءة على نحو جيد. وثمة عوامل أخرى تسهم في ضعف نتائج تعلم القراءة، مثل ندرة الكتب، وضعف إعداد المعلمين واستدامة تطويرهم المهني، وارتفاع معدلات الغياب، وقصر وقت الحصة الدراسية، والتدريس بلغة غير مفهومة للتلاميذ، وعدم تناسب طرائق التدريس مع مستوياتهم الفعلية، وكلها تتفاقم بسبب غياب التوجه نحو تبني الممارسات المستندة إلى العلم.

  • الغرض من البحث
  • لحسن الحظ، يقدم العلم اليوم توجيهًا واضحًا حول كيفية تعلّم الأطفال للقراءة، وكيفية تدريسهم بفاعلية. فالقراءة هي أحد أكثر مجالات التعلّم البشري دراسةً على الإطلاق، إذ تمتد الأبحاث فيها لأكثر من قرن. ورغم أن الدراسات المبكرة ركزت على الناطقين بالإنجليزية في الدول مرتفعة الدخل، فإن قاعدة الأبحاث قد توسعت بشكل كبير. ويأتي هذا التقرير ليستعرض ما تمخضت عنه الأبحاث المتزايدة من الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، من خلال تحليل أكثر من 151 دراسة حول تعليم القراءة الفعّال، أجريت في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي والشرق الأوسط، وغطت أكثر من 167 لغة مختلفة.

    وتؤكد هذه الأدلة الموسعة أن بعض المبادئ الأساسية لتعليم القراءة الفعّال هي مبادئ عالمية، وإن كانت بعض جوانب التعليم قابلة للتكيّف مع اختلاف اللغات وأنظمة الكتابة والسياقات الثقافية. ويوضح هذا البحث أن القراءة بفهم هي عملية معقدة تعتمد على مجموعة من المهارات المتشابكة، يمكن تجميعها في مجالين رئيسين: فك الرموز، والفهم اللغوي.

    • فك الرموز هو القدرة على تمييز الرموز المكتوبة (كالحروف) وتحويلها إلى الأصوات التي تمثلها للوصول إلى التعرف على الكلمات
    • الفهم اللغوي هو القدرة على استيعاب ما تعنيه الكلمات والجمل والنصوص في حقيقتها

    إن مهارات فك الرموز ومهارات الفهم اللغوي كلتاهما ضروريتان وتعملان معًا عندما يقرأ الطفل: فبدون مهارات فك الرموز، لا يستطيع الطفل التعرف إلى الكلمات؛ ودون مهارات الفهم اللغوي، لا يستطيع استيعاب معناها. لذا، فإن تعليم القراءة الفعّال يجب أن يعمل على تطوير كلا المجالين معًا. وتبدأ هذه الأسس في السنوات المبكرة، في المنزل أو في برامج الطفولة المبكرة المنظمة، لتكون بعد ذلك محور تركيز المرحلة الابتدائية.

    لتنمية مهارات القراءة الأساسية هذه، يحتاج الأطفال إلى تعليم مباشر ومنظّم في ستة مجالات جوهرية:

    • تنمية اللغة الشفوية: ويشمل ذلك مهارات الاستماع والتحدث، وتطوير المفردات. لا بد أن يفهم الطفل الكلمات المنطوقة قبل أن يتمكن من فهم النص المكتوب. وبالرغم من أن الأطفال يطورون بعض المهارات اللغوية الشفوية بشكل طبيعي، فإن التدريس الموجّه داخل الصف يسرّع هذا التطور بشكل ملحوظ.
    • الوعي الصوتي: هو القدرة على تمييز الوحدات الصوتية الصغيرة في الكلمة المنطوقة والتلاعب بها. لا بد أن يدرك الطفل أن الكلمات المنطوقة تتكوّن من وحدات صوتية أصغر قبل أن يتمكن من ربط الحروف بتلك الأصوات ودمجها في كلمات.
    • التدريس المنظّم للعلاقات بين الحروف والأصوات (الفونيكس): ويقصد به تعليم الأطفال العلاقات المحددة بين الحروف والأصوات، وكيفية دمجها لتكوين الكلمات. يتعلم الطفل "نطق" الكلمات غير المألوفة من خلال التعرف إلى صوت كل حرف والدمج بينها.
    • طلاقة القراءة: هي القدرة على قراءة النص بدقة وسرعة مع التعبير المناسب. فالقراءة بطلاقة تحرّر الطاقة الذهنية للتركيز على فهم المعنى بدلاً من بذل الجهد في التعرف إلى الكلمات منفردة.
    • الفهم القرائي: في إطار تعليم القراءة، يستفيد الأطفال أيضًا من التدريس المباشر لتقنيات محددة تساعدهم على فهم النصوص، مثل مراقبة الفهم الذاتي وبناء المعرفة حول العالم.
    • الكتابة: تشير قاعدة أدلة قوية، بما في ذلك أبحاث ناشئة من الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، إلى أن تعليم الكتابة – الذي يشمل رسم الحروف والتهجئة وتأليف النصوص – يدعم بشكل كبير تطوير القراءة ويعزز المهارات الأساسية الأخرى.

    يجب أن تُدرّس هذه المهارات الست على نحو مباشر ومنظّم وشامل. فالتدريس المباشر يعني أن المعلم يعرض كل مهارة ويشرحها بنفسه، مقدمًا أمثلة واضحة قبل أن يمارس الطلاب المهارة بأنفسهم. والتدريس المنظّم يعني تقديم المهارات في تسلسل منطقي وفق خطة منهجية محددة. أما التدريس الشامل فيعني الاهتمام بالمهارات الست جميعها، لأن الضعف في أي مهارة منها قد يحول دون أن يصبح الطفل قارئًا ماهرًا.

    تتناقض هذه المقاربة مع الطرائق التي تترك الأطفال لاكتشاف مهارات القراءة بأنفسهم، أو التي تركز على جوانب محددة فقط من القراءة. إن من أهم ما كشف عنه البحث في مجال القراءة أن الأطفال لا يتعلمون القراءة على نحو طبيعي – فالقراءة تحتاج إلى تعليم صريح. فعلى النقيض من اللغة المنطوقة التي يكتسبها الطفل على نحو طبيعي من خلال التعرّض لها، فإن القراءة تتطلب تعليمًا مباشرًا.

    وتُظهر الأدلة المستمدة من علم الأعصاب وعلم النفس المعرفي أن القارئ الماهر يعالج الكلمات من خلال الربط السريع بين الحروف والأصوات المقابلة لها، وليس عن طريق حفظ الكلمات كاملة أو تخمين المعنى من السياق. وهذا الفهم العلمي يؤكد أن الأطفال بحاجة إلى تعليم مباشر وصريح حول كيفية تمثيل الحروف للأصوات وكيفية دمج هذه الأصوات لتكوين كلمات.

  • العينة: نوعها وحجمها
  • تُعدّ مبادئ تعليم القراءة الفعّال عالمية، لكن البرامج الناجحة تقوم بتكييف جوانب معينة من التعليم بما يتناسب مع خصائص اللغة واحتياجات الطالب الفردية.

    أولًا: غالبًا ما تكون مستويات القراءة بين الأطفال في الصف الواحد مختلفة على نحو كبير. فلا بد من تصميم التدريس ليلبي احتياجات الطلاب وفقًا لمستوى تعلمهم الحالي، مع ضمان حصول القراء المبتدئين الذين يواجهون صعوبات على الدعم الأساسي قبل الانتقال إلى المهارات المتقدمة. وبالنسبة إلى من يعانون صعوبات، يمكن توفير دعم خاص كالتدريس الفردي أو في مجموعات صغيرة، واستخدام أساليب متعددة الحواس، وتوفير مواد تعليمية ميسّرة.

    ثانيًا: تختلف اللغات فيما بينها، مما يستدعي اختلافًا في أساليب التدريس. فمثلًا، على الرغم من أن التدريس المنظّم للعلاقات بين الحروف والأصوات (الفونيكس) مفيد في جميع اللغات التي تعتمد على نظام الحروف (الأبجدية)، إلا أن هناك اختلافًا في مقدار الوقت اللازم لهذا التدريس. فاللغات ذات الأنماط الإملائية المتسقة (كلغة السواحيلية والإسبانية) تحتاج إلى وقت أقل في تدريس العلاقات بين الحروف والأصوات مقارنة باللغات ذات الإملاء المعقد وغير المنتظم (كالإنكليزية والفرنسية). وكذلك الحال بالنسبة إلى أنظمة الكتابة المقطعية الأبجدية مثل الديفاناغاري والكانادا والتاميل، حيث تستخدم عددًا أكبر من الرموز وتحتاج إلى تدريس أكثر كثافة فيما يتعلق بالمعرفة الرمزية.

  • نتائج الدراسة
  • ثمة ثلاثة مبادئ إضافية بالغة الأهمية لنجاح تعليم القراءة:

    أولًا: تأثير لغة التعليم كبير في تطور القراءة لدى الأطفال. فأكثر من ثلث الأطفال في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط يتعلمون القراءة بلغة لا يتحدثونها أو لا يفهمونها جيدًا. وهذا يشكل عائقًا كبيرًا أمام اكتساب القراءة، مما يؤدي إلى تباطؤ التقدم وضعف مستوى الإتقان. وتؤكد الأبحاث باستمرار أن الأطفال يتعلمون القراءة بفاعلية أكبر عندما يُدرّسون أولاً بلغتهم الأم. وعندما لا يكون التدريس باللغة الأم ممكنًا، يحتاج الأطفال إلى وقت أطول بكثير ودعم مكثف لتطوير مهاراتهم الشفوية في لغة التعليم قبل أن يتمكنوا من تعلم القراءة بها بنجاح. وعلى صانعي السياسات أن يدرسوا بعناية السياق اللغوي في بلدانهم قبل البت في سياسات لغة التعليم.

    ثانيًا: جودة التنفيذ عامل حاسم في نجاح أي برنامج. فحتى أفضل برامج تعليم القراءة تصميمًا قد تفشل إذا لم تُنفّذ بفعالية. ويتطلب النجاح أن يكون البرنامج متوافقًا مع أولويات الحكومة وأنظمتها القائمة؛ وأن يُصمم تصميمًا مستدامًا يمكن أن يستمر بعد انتهاء التمويل الأولي؛ وأن يدعم المعلمين في تبني أساليب جديدة؛ وأن تُطوّر مواد تعليمية وتعلمية سهلة الاستخدام؛ وأن تُدرج المحتويات ذات الصلة في برامج إعداد المعلمين القائمة على المهارات وفي التنمية المهنية المستمرة. ويجب على البرامج أن تراقب بشكل مستمر مدى نجاح المعلمين في تطبيق الأساليب الجديدة، وأن تقدم تغذية راجعة سريعة لإجراء التعديلات اللازمة.

    ثالثًا: تعليم القراءة القائم على الأدلة قد يكون أكثر فاعلية من حيث التكلفة مقارنة بالبدائل الأخرى. فالاستثمار في أساليب تعليم القراءة المثبتة خلال السنوات الدراسية الأولى للأطفال من شأنه أن يقلل الحاجة إلى برامج علاجية مكلفة لاحقًا، ويحد من تكرار الصفوف الدراسية، ويخفض معدلات التسرب. وتعد برامج التعليم المنظّم التي تتضمن تعليم القراءة القائم على الأدلة من أكثر التدخلات التعليمية فاعلية من حيث التكلفة المتاحة. وهذا يجعل تعليم القراءة المبني على الأدلة خيارًا جاذبًا على نحو خاص للدول التي تسعى لتحقيق أقصى أثر ممكن من ميزانياتها التعليمية المحدودة.

  • الإفادة التي يقدمها البحث للمعلم العربي في مجال تعليم مهارات القراءة والكتابة
  • يحثّ الباحثون صانعي السياسات التعليمية على تعزيز التعليم القائم على الأدلة، لكي يصبح عدد أكبر من الأطفال قرّاءً ماهرين. إن تحقيق تحسّن مذهل في نتائج القراءة ليس ممكنًا فحسب، بل هو ضمن أطر زمنية معقولة. ومثل هذه التحسينات ضرورية للتقدّم التعليمي، والتنمية الاقتصادية، والنهوض الاجتماعي.

    واستنادًا إلى الأدلة الشاملة الواردة في هذا التقرير، يوصي الباحثون صانعي السياسات بما يلي:

    • الالتزام على المستوى الوطني بضمان أن يصبح جميع الأطفال قرّاءً ماهرين من خلال تعليم فعّال قائم على الأدلة
    • اختيار لغات التعليم المناسبة، وتقديم الدعم الذي يحتاجه الأطفال لتعلم القراءة بتلك اللغات
    • تقديم تعليم مباشر ومنظّم وشامل لمهارات القراءة الست جميعها:

      • اللغة الشفوية
      • الوعي الصوتي
      • العلاقات المنظّمة بين الحروف والأصوات (الفونيكس المنظّم)
      • طلاقة القراءة
      • الفهم القرائي
      • الكتابة

      مع ضمان أن يكون التعليم مباشرًا ومنظّمًا، دون ترك الأطفال "لاكتشاف الأمر بأنفسهم". كما يجب توفير وقت كافٍ للأطفال لممارسة القراءة، بما في ذلك فرص وفيرة للتفاعل مع الكتب، وقراءة نصوص متنوعة بشكل مستقل، وبناء ثقافة قرائية.

    • تكييف التعليم وفق خصائص اللغة: فالمبادئ الأساسية لتعليم القراءة المتوافق مع الأدلة هي مبادئ عالمية، لكن البرامج الناجحة تصمّم التعليم ليناسب احتياجات السياق المحلي.
    • التركيز على التنفيذ الفعّال من خلال تزويد المعلمين بدعم منظّم، ومواد سهلة الاستخدام، وتطوير مهني مستمر.

    ويجب أن تُكيَّف هذه النهج القائمة على الأدلة بعناية مع السياق اللغوي والثقافي والتعليمي الخاص بكل بلد، مع الحفاظ على الالتزام بالمبادئ الأساسية التي أثبتت الأبحاث فاعليتها.

  • التوثيق
  • Horacio Alvarez-Marinelli, Izzy Boggild-Jones, Michael Crawford, Margaret “Peggy” Dubeck, Dhir Jhingran, Christopher Lack, Nompumelelo Mohohlwane, Maria Eugenia Oviedo, Benjamin Piper, Jaime Saavedra and Hanada Taha,. (2025). Effective Reading Instruction In Lowand Middleincome Countries: What The Evidence Shows, The Global Education Evidence Advisory Panel (GEEAP).