لحسن الحظ، يقدم العلم اليوم توجيهًا واضحًا حول كيفية تعلّم الأطفال للقراءة، وكيفية تدريسهم بفاعلية. فالقراءة هي أحد أكثر مجالات التعلّم البشري دراسةً على الإطلاق، إذ تمتد الأبحاث فيها لأكثر من قرن. ورغم أن الدراسات المبكرة ركزت على الناطقين بالإنجليزية في الدول مرتفعة الدخل، فإن قاعدة الأبحاث قد توسعت بشكل كبير. ويأتي هذا التقرير ليستعرض ما تمخضت عنه الأبحاث المتزايدة من الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، من خلال تحليل أكثر من 151 دراسة حول تعليم القراءة الفعّال، أجريت في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي والشرق الأوسط، وغطت أكثر من 167 لغة مختلفة.
وتؤكد هذه الأدلة الموسعة أن بعض المبادئ الأساسية لتعليم القراءة الفعّال هي مبادئ عالمية، وإن كانت بعض جوانب التعليم قابلة للتكيّف مع اختلاف اللغات وأنظمة الكتابة والسياقات الثقافية. ويوضح هذا البحث أن القراءة بفهم هي عملية معقدة تعتمد على مجموعة من المهارات المتشابكة، يمكن تجميعها في مجالين رئيسين: فك الرموز، والفهم اللغوي.
- فك الرموز هو القدرة على تمييز الرموز المكتوبة (كالحروف) وتحويلها إلى الأصوات التي تمثلها للوصول إلى التعرف على الكلمات
- الفهم اللغوي هو القدرة على استيعاب ما تعنيه الكلمات والجمل والنصوص في حقيقتها
إن مهارات فك الرموز ومهارات الفهم اللغوي كلتاهما ضروريتان وتعملان معًا عندما يقرأ الطفل: فبدون مهارات فك الرموز، لا يستطيع الطفل التعرف إلى الكلمات؛ ودون مهارات الفهم اللغوي، لا يستطيع استيعاب معناها. لذا، فإن تعليم القراءة الفعّال يجب أن يعمل على تطوير كلا المجالين معًا. وتبدأ هذه الأسس في السنوات المبكرة، في المنزل أو في برامج الطفولة المبكرة المنظمة، لتكون بعد ذلك محور تركيز المرحلة الابتدائية.
لتنمية مهارات القراءة الأساسية هذه، يحتاج الأطفال إلى تعليم مباشر ومنظّم في ستة مجالات جوهرية:
- تنمية اللغة الشفوية: ويشمل ذلك مهارات الاستماع والتحدث، وتطوير المفردات. لا بد أن يفهم الطفل الكلمات المنطوقة قبل أن يتمكن من فهم النص المكتوب. وبالرغم من أن الأطفال يطورون بعض المهارات اللغوية الشفوية بشكل طبيعي، فإن التدريس الموجّه داخل الصف يسرّع هذا التطور بشكل ملحوظ.
- الوعي الصوتي: هو القدرة على تمييز الوحدات الصوتية الصغيرة في الكلمة المنطوقة والتلاعب بها. لا بد أن يدرك الطفل أن الكلمات المنطوقة تتكوّن من وحدات صوتية أصغر قبل أن يتمكن من ربط الحروف بتلك الأصوات ودمجها في كلمات.
- التدريس المنظّم للعلاقات بين الحروف والأصوات (الفونيكس): ويقصد به تعليم الأطفال العلاقات المحددة بين الحروف والأصوات، وكيفية دمجها لتكوين الكلمات. يتعلم الطفل "نطق" الكلمات غير المألوفة من خلال التعرف إلى صوت كل حرف والدمج بينها.
- طلاقة القراءة: هي القدرة على قراءة النص بدقة وسرعة مع التعبير المناسب. فالقراءة بطلاقة تحرّر الطاقة الذهنية للتركيز على فهم المعنى بدلاً من بذل الجهد في التعرف إلى الكلمات منفردة.
- الفهم القرائي: في إطار تعليم القراءة، يستفيد الأطفال أيضًا من التدريس المباشر لتقنيات محددة تساعدهم على فهم النصوص، مثل مراقبة الفهم الذاتي وبناء المعرفة حول العالم.
- الكتابة: تشير قاعدة أدلة قوية، بما في ذلك أبحاث ناشئة من الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، إلى أن تعليم الكتابة – الذي يشمل رسم الحروف والتهجئة وتأليف النصوص – يدعم بشكل كبير تطوير القراءة ويعزز المهارات الأساسية الأخرى.
يجب أن تُدرّس هذه المهارات الست على نحو مباشر ومنظّم وشامل. فالتدريس المباشر يعني أن المعلم يعرض كل مهارة ويشرحها بنفسه، مقدمًا أمثلة واضحة قبل أن يمارس الطلاب المهارة بأنفسهم. والتدريس المنظّم يعني تقديم المهارات في تسلسل منطقي وفق خطة منهجية محددة. أما التدريس الشامل فيعني الاهتمام بالمهارات الست جميعها، لأن الضعف في أي مهارة منها قد يحول دون أن يصبح الطفل قارئًا ماهرًا.
تتناقض هذه المقاربة مع الطرائق التي تترك الأطفال لاكتشاف مهارات القراءة بأنفسهم، أو التي تركز على جوانب محددة فقط من القراءة. إن من أهم ما كشف عنه البحث في مجال القراءة أن الأطفال لا يتعلمون القراءة على نحو طبيعي – فالقراءة تحتاج إلى تعليم صريح. فعلى النقيض من اللغة المنطوقة التي يكتسبها الطفل على نحو طبيعي من خلال التعرّض لها، فإن القراءة تتطلب تعليمًا مباشرًا.
وتُظهر الأدلة المستمدة من علم الأعصاب وعلم النفس المعرفي أن القارئ الماهر يعالج الكلمات من خلال الربط السريع بين الحروف والأصوات المقابلة لها، وليس عن طريق حفظ الكلمات كاملة أو تخمين المعنى من السياق. وهذا الفهم العلمي يؤكد أن الأطفال بحاجة إلى تعليم مباشر وصريح حول كيفية تمثيل الحروف للأصوات وكيفية دمج هذه الأصوات لتكوين كلمات.